
تقوم المسؤولية التقصيرية على مبدأ إلزام المتسبب في الضرر بتعويض المتضرر عن الأضرار التي لحقت به نتيجة فعل غير مشروع.
ويشمل التعويض الأضرار المادية مثل الخسائر المالية، والأضرار المعنوية مثل الألم النفسي أو المساس بالسمعة.
ويتم تقدير قيمة التعويض من قبل المحكمة بناءً على حجم الضرر، والعلاقة السببية بين الفعل والنتيجة، بالإضافة إلى الأدلة المقدمة من الأطراف.
ويهدف هذا النظام إلى تحقيق العدالة وإعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان عليه قبل وقوع الضرر قدر الإمكان.
مفهوم المسؤولية التقصيرية
تنشأ المسؤولية التقصيرية عندما يترتب على فعل غير مشروع صادر عن شخص ضرر يلحق بالغير، دون أن تربط بين الطرفين علاقة تعاقدية سابقة. ويقوم هذا النوع من المسؤولية على فكرة أن كل شخص يُلحق ضرراً بغيره نتيجة تقصيره أو خطئه يكون ملزماً بجبر هذا الضرر، بهدف حماية الأفراد من تصرفات الآخرين الضارة وتحقيق التوازن بين حرية التصرف ومسؤولية الفرد عن نتائج أفعاله.
أركان المسؤولية التقصيرية
لقيام المسؤولية التقصيرية، لا بد من توافر ثلاثة أركان أساسية: الخطأ، وهو الفعل أو الامتناع الذي يخالف السلوك المعتاد للشخص الحريص، والضرر، وهو الأذى الذي يلحق بالمتضرر نتيجة هذا الخطأ، والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر، بحيث يكون الضرر نتيجة مباشرة للفعل المرتكب. ويقع على المتضرر إثبات توافر هذه الأركان مجتمعة حتى تتحقق مسؤولية المتسبب في الضرر.
الفرق بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية
تختلف المسؤولية التقصيرية عن المسؤولية العقدية في مصدر الالتزام؛ فبينما تنشأ المسؤولية العقدية عن الإخلال بالتزام تعاقدي قائم بين طرفين، تنشأ المسؤولية التقصيرية عن مخالفة واجب عام يفرضه النظام على الجميع بعدم الإضرار بالغير، بصرف النظر عن وجود علاقة تعاقدية بين المتسبب في الضرر والمتضرر. ويترتب على هذا الاختلاف تباين في بعض الجوانب الإجرائية المتعلقة بكل نوع من نوعي المسؤولية.
الأضرار المادية المشمولة بالتعويض
يشمل التعويض في المسؤولية التقصيرية الأضرار المادية التي تصيب المتضرر في ماله أو جسده، كتلف الممتلكات، أو تكاليف العلاج، أو ما فاته من كسب نتيجة الضرر. ويُراعى عند تقدير هذا النوع من الأضرار أن يكون التعويض مساوياً لحجم الضرر الفعلي الذي لحق بالمتضرر، دون زيادة أو نقصان.
الأضرار المعنوية المشمولة بالتعويض
كما يشمل التعويض الأضرار المعنوية التي تصيب المتضرر في مشاعره أو سمعته أو استقراره النفسي، كالألم النفسي الناتج عن الحادثة، أو المساس بالسمعة والاعتبار. ونظراً لطبيعة هذه الأضرار غير المادية، فإن تقديرها يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة بما يتناسب مع ظروف كل حالة.
معايير المحكمة في تقدير التعويض
تراعي المحكمة عند تقدير التعويض عدة معايير، من أبرزها حجم الضرر الواقع، ومدى العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة، وظروف الواقعة، والأدلة المقدمة من الأطراف. وتهدف المحكمة من خلال هذا التقدير إلى الوصول إلى تعويض عادل يجبر الضرر دون أن يشكل إثراءً غير مشروع للمتضرر أو عبئاً غير متناسب على المسؤول عن الضرر.
عبء الإثبات ودور الأدلة
يقع على عاتق المتضرر إثبات أركان المسؤولية التقصيرية الثلاثة: الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، وذلك من خلال ما يقدمه من مستندات أو شهادات أو تقارير فنية تدعم دعواه. وكلما كانت الأدلة المقدمة أكثر وضوحاً وارتباطاً بالوقائع، كان ذلك أدعى لتحقيق العدالة في تقدير التعويض المستحق.
تعدد المتسببين في الضرر
قد يشترك أكثر من شخص في التسبب بضرر واحد، سواء بفعل مباشر أو بالمساهمة فيه، وفي هذه الحالة تراعي المحكمة نصيب كل متسبب في إحداث الضرر عند تحديد مسؤولية كل منهم عن التعويض المستحق. ويهدف هذا التوزيع إلى تحقيق العدالة بين الأطراف المتعددة بما يتناسب مع درجة مساهمة كل منهم في الفعل الضار.
تطبيقات شائعة للمسؤولية التقصيرية
تتعدد الحالات التي تندرج تحت المسؤولية التقصيرية في الواقع العملي، كحوادث السيارات، والأضرار الناتجة عن الإهمال في أعمال الصيانة أو البناء، والأضرار التي تصيب الغير نتيجة أنشطة تنطوي على مخاطر. ويخضع كل تطبيق من هذه التطبيقات لذات الأركان العامة للمسؤولية التقصيرية، مع مراعاة الظروف الخاصة بكل واقعة عند تقدير الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما.
أهمية المبادرة المبكرة لرفع دعوى التعويض
يُنصح المتضرر بعدم التأخر في اتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة للمطالبة بحقه في التعويض، إذ إن التأخر قد يزيد من صعوبة إثبات الضرر والعلاقة السببية مع مرور الوقت وتلاشي بعض الأدلة. لذا فإن المبادرة إلى توثيق الواقعة وجمع الأدلة منذ وقوع الضرر يسهم في تعزيز فرص الحصول على تعويض عادل ومتناسب مع حجم الضرر الفعلي.
دور المحامي في إثبات المسؤولية التقصيرية
نظراً لما تتطلبه دعاوى المسؤولية التقصيرية من إثبات دقيق لأركانها الثلاثة، فإن الاستعانة بمحامٍ متخصص يسهم في بناء الدعوى على أسس نظامية سليمة، وجمع الأدلة اللازمة، وتقديم المطالبة بالشكل الذي يحقق للمتضرر أكبر قدر ممكن من الحماية القانونية.
